في صيف 2006، أثناء الحرب الصهيونية على لبنان، أجريتُ اتصالاً هاتفيّاً بالشاعر اللبناني جوزيف حرب ودعوته إلى المشاركة في المهرجان الشعري «وفاءً للمقاومة في لبنان وفلسطين».
كان رده جميلاً ومؤثراً، حين اعتذر بأدب جمّ، وقال لي: «إن الوقت الآن لأكتب الشعر بين أبناء شعبي، أداوي جرحاهم، وأُعين مشردهم، وأسعى إلى تأمين طعام لهم، هكذا سأكتب الشعر الآن».
انتهى كلام الشاعر، لكنه أعادني إلى دائرة مهمة من بحث عدد من المثقفين عن مساحة فعل أكثر تأثيراً من الكلمة، حتى لو كانت السطور سلاحاً لا يستهان به في معارك الأمم، كما قال الشاعر الفلسطيني صالح هواري: «لو أتيح للشعراء أن يقاتلوا لقاتلوا، ولكن القتال بالكلمة أيضاً هو نوع من الكفاح والجهاد».
المثقف والبحث عن السيف
لكن في التاريخ المعاصر للقضية الفلسطينية لا يوجد إلا أمثلة معدودة على المثقف الذي مزج حبره بدمه.
ففي ثلاثينيات القرن الماضي كان هناك الشاعر الشعبي نوح إبراهيم، شاعر ثورة القسام الذي قضى شهيداً بعد ذلك، وفي عام 1948 نال الشاعر عبد الرحيم محمود شرف الشهادة في معركة الشجرة.
وفات هذا الوسام الشاعر برهان الدين العبوشي الذي حمل لواء السيف والقلم، لكن المنية زارته على فراشه في منفاه في العاصمة العراقية بغداد عام 1995.
قبل ذلك كان رسام الكاريكاتير ناجي العلي يلوّن آخر لوحاته بالأحمر حين اغتيل في لندن وفارق الحياة في 29 آب (أغسطس) 1987، وسبقه بأعوام الروائي غسان كنفاني الذي فخخت سيارته في بيروت بعبوة قتلته مع ابنة اخته الطفلة لميس في تموز 1972، وطارت يده اليمنى مئات الأمتار بعيداً عن موقع الانفجار.
وبعده بقليل تعرض عميد المثقفين الفلسطينيين في لبنان أنيس صايغ لمحاولة اغتيال (كانت الأولى بين عدة محاولات)، كادت تودي بحياته، حين انفجر بين يديه مغلف مفخخ بتر أصابعه وأثر على نظره وسمعه.
خلال عقود كان الأديب في فلسطين لا ينفصل عن هموم وطنه، حتى أصبح للثقافة في القضية الفلسطينية خصوصية عن غيرها، سواء في الوطن العربي أو العالم.
منذ عقود والأديب يبحث عن مكان له في ساحة الفعل والتأثير، ربما لأن النزف طال واتسع الرتق على الراقع (؟؟)، وربما لأن الشعوب ملت من الكلمات بكل أطيافها الأدبية والفكرية والسياسية، مادامت لم تحرر شبراً من فلسطين، ولم تُرجع لاجئاً ولم تُطهّر مقدساً.
كتب الأدباء عن النكبتين في عامي 1948 و1967، وتغنّوا بانطلاق الثورة وتجدد المقاومة، تذكروا الوطن وعاشوا أوجاع الشتات، ومن بين قناديل الخيام غنوا للعودة والانتصار.
غير أنَّ الحصار ظل موضوعاً يتجدد من بيروت عام 1982 إلى جنين عام 2002 إلى غزة منذ عام 2006.
وهو موضوع مهم سنجد عنه في الشعر والقصة والرواية والمسرح والسيرة التسجيلية، وغيرها من فنون الأدب التي تخضبت بالدم واشتعلت باللهب، ويمكن الباحثين والدارسين أن يتوقفوا عند هذه المحطات، وخاصة إذا اقتربت رؤاهم مما قاله لي وزير الثقافة السوري في حوار معه العام الماضي: «إن الأدب لا يواكب عادةً.. ولكن الصحافة تواكب، أما الأدب فيحتاج إلى سنين لكي يتخمَّر فيه الفكر، لا تستطيع أن تطلب من روائي أن يكتب


























