الكناري لا يزال يُحلِّق في الشَّتات
الذكرى العشرون لرحيل الشَّاعر يحيى برزق
سمير عطية
«بين انتفاضتين» سُجِّلت صفحات حياته، وسطور قوافيه، بين انتفاضة البراق في عام 1929 وانتفاضة الحجارة عام 1988، كانت حكاية حياة الشاعر الفلسطيني الراحل يحيى برزق.
بين انتفاضتين كُتبت قصائده ونزفت أشعاره، فرغم أقدار الله في أن تكون هذه الحياة ملخصة بهذين التاريخين، فإنَّ الشاعر لم يبتعد عن فلسطين في مسيرته الأدبية، بل إن شيئاً لم يكن أقرب منها، يعيش في صدره وينسكب وجعاً على دفاتر القوافي لديه.
الحياة الشعرية للشاعر يحيى برزق امتزجت بالوطن وأحلامه، وامتزج الوطن بها بهمومه وأوجاعه.
وهو يروي عن بواكير صباه زمناً وشعراً كيف صرخ محتجاً بأبيات شعرية أمام الضابط البريطاني في أيام الانتداب الذي جمع الناس ليخطب فيهم، فكان أن انفضَّ الجمع متأثراً بِدَويّ أبيات الفتى الشاعر الذي كانت أبياته كصرخات التنبيه ورصاصات الدفاع.
وتروي عائلته في ما بعد كيف كانت قصيدة «شراع الجليل» هي آخر قصائده التي كتبها وهو على فراش الموت، القصيدة التي تغضَّنت بأبطال فلسطين وهم يخطّون صفحات البطولة على أرض فلسطين، هذه العملية التي كانت مفتاحاً من مفاتيح انتفاضة الحجارة.
اليوم.. يفصلنا الزمن مرة أخرى في حياة هذا الشاعر، عشرون عاماً مرَّت على رحيله، ففي الرابع عشر من يناير/ كانون الأول من عام 1988، أسلم الروحَ لبارئها، والعبارة المشهورة التي نرددها في مثل هذه الحالات «أنه رحلَ جسداً لا روحاً» تنطبق عليه تماماً، فقد خلّف إرثاً أدبياً مهما، وتَرِكَةً شعرية من الجدير بنا أن نحيطها بالعناية والاهتمام.
مسيرةُ قلم
يذكر الكاتب محمد سليمان مؤلف كتاب (تاريخ الصحافة في غزة) ملخصاً بجريدة الرقيب التي أصدرها في غزة عام 1951 عبد الله العلمي، وأتى على ذِكر أسماء من كان يساهم في الكتابة فيها، ومن بينهم الشاعر يحيى برزق جنباً إلى جنب مع الشاعر هارون هاشم رشيد والشاعر الراحل معين بسيسو.
لم يمنعه عمله مدرساً في مدارس وكالة الغوث من أداء دوره، بل كان حافزاً له كي يلتصق بهموم شعبه وآلامه، وكان في تلك المرحلة كأبناء فلسطين يتجرع مرارة النكبة حين يرى أبناء شعبه القادمين للجوء في قطاع غزة.
هذه النكبة التي وُلدت في «أيّار» ظلَّت هاجساً في قصائده، وألماً حاضراً في أشعاره:
ناداك أيَّارُ فاهتِف في خَمائِلهِ
أيومَ نَاداك بالكُتمَانِ تَعتَصِمُ؟
فَصاحَ بي ثائراً ما خُنتُ صُحبَتَنا
لكنَّ أَيَّار لا يُجدي بهِ الكَلِمُ..
وحَسْبُ سمعِكَ أقوالٌ يُردِّدُها
ملء الرُّبى ناعباتُ البُومِ والرَخَمُ
قالوا وقالوا فما جفتْ حُلوقُهُمُ…
خمسين عَاماً وما كلُّوا وما سَئِموا!!
وأقسمُوا أنهُم للنَّصرِ ألويةٌ
والذلُّ حاكهُمُ والعارُ خاطَهُمُ
يا صاحبي ليسَ لي في القولِ منْ أَرَبٍ
فالقولُ عندَ احتدامِ الخَطبِ.. متهمُ
قبل نكسة عام 1967 سافر الشاعر للتدريس في الكويت، وواصل هناك أداء رسالته التعليمية والأدبية في فلك فلسطين، حتى جاءت النكسة وضاع ما تبقى من الوطن، وسُلبت الدار التي كان يدخر المال ليسكنها. وفقد مكتبته وأشعاره التي تركها في غزة، لتنضم هذه المكتبات إلى مكتبات أخرى أعدمت وقصائد أخرى فُقدت بسبب الاحتلال.
لتكون هذه المرحلة أشد وطأة على نفسه، وأكثر إيلاماً لقلبه، فنزفت قصائده، واصطبغت أحلامه بالوجع والحزن، وهذا ما نراه في القصيدة الشهيرة «حنين»:
وَاحَسْرَتِي لِلأَهْلِ فَرَّقَ شَمْلَهُمْ
كَيْدُ الخُطُوبِ وِلِلفَجَائِعِ أَسْلَمَا
بِنَجِيعِهِمْ ثَمِلَ الغُزَاةُ وَعَرْبَدُوا
وَالإخْوَةُ الأَحْبَابُ قَدْ مَلأُوا الفَمَا
وَالهْفَتِي وَالدَّرْبُ يَغْمُرُهُ اللَّظَى
مُتَفَجِّراً، وَاللَّيْلُ تَصْبُغُهُ الدِّمَا
وَجُمُوعُ شَعْبِي تَسْتَجِيرُ عَلَى الغَضَا
وَالكَوْنُ يَرْمُقُهُمْ حَسِيراً أَبْكَمَا
يَا وَيْحَ شَعْبِي وَالسِّهَامُ تَنُوشُهُ
مِنْ كُلِّ صَوْبٍ كَيْفَ يَلْقَى الأَسْهُمَا
وَالمُرجِفُونُ تَنَكَّرُوا لإِخَائِهِ
فَإِخَاؤُهُ مَا عَادَ يَجْلِبُ مَغْنَمَا
وَعَدُوهُ بِالنَّصْرِ العَظِيمِ مُخَيِّماً
وَرَمَوْهُ فِي شُعْثِ القِفَارِ مُخَيِّمَا
قصائده على الشفاه
في مطلع الثمانينيات انطلقت في الكويت الرابطة الإسلامية لطلبة فلسطين في جامعة الكويت، التي أصدرت أناشيدها المعروفة في ذلك الوقت عن فلسطين. ووسط ظروف متعددة ومعطيات مهمة أسهمت في جعل البيئة التي يعيش فيها الشاعر مهمة للقضية الفلس
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |